سلطت صحيفة "ذا ساينس سيرفاي" الضوء على الجدل المثار بشأن سد النهضة الإثيوبي، قائلة إن مصر والسودان حاولتا التوصل إلى اتفاق مع إثيوبيا بشأن سد النهضة منذ بداية المشروع. وحاولت جهات ثالثة، كالولايات المتحدة والاتحاد الأفريقي، تنظيم مفاوضات في المنطقة، لكن لم يتم التوصل إلى اتفاق ثلاثي. 

 

وأوضحت أن سد النهضة جلب خلال العقد الماضي العديد من المشاكل إلى المنطقة بأسرها، "فكل دولة في شمال شرق أفريقيا تعتمد على نهر النيل في الزراعة ومياه الشرب والصناعة. ويُعدّ النيل ركيزة أساسية لاقتصاد السودان ومصر على وجه الخصوص، اللتين تستغلان موارده لتعزيز نفوذهما العالمي". 

 

وأشارت إلى أنه منذ إنشاء سد النهضة، رأت هذه الدول أن السد يُغيّر تدفق المياه في المصب، فيما تزعم مصر أنه يُسبب فترات متناوبة من نقص المياه والفيضانات، مما يُغير بشكل جذري أنماط الفيضانات المعتادة لنهر النيل عن تلك التي اعتمدت عليها البلاد لآلاف السنين. 

 

فيضانات العام الماضي

 

وتأكدت هذه المزاعم في أكتوبر من العام الماضي، عندما اضطرت 1200 عائلة في شمال مصر إلى النزوح بعد أن غمرت المياه شوارع دلتا النيل. وعزت وزارة الري المصرية هذه الفوضى إلى سد النهضة، متهمةً بشكل صريح هيئة الطاقة الإثيوبية بتمكين "إطلاق المياه بشكل متهور وأحادي الجانب" وممارسة "إدارة غير مسؤولة للسد". 

 

وردت إثيوبيا على هذه المزاعم دفاعًا عن نفسها، مدعيةً أن أنماط الفيضانات غير المعتادة هذه كانت نتيجة أمطار موسمية قياسية. 

 

ومن العوامل المؤثرة الأخرى في إحباط مصر؛ الأهمية التاريخية لنهر النيل؛ فقد أكدت معاهدات متعددة أن لمصر الحق في "الحقوق التاريخية" على النهر، على الرغم من عدم استشارة إثيوبيا خلال أي من هذه الاتفاقيات.

 

وبالمقارنة مع مصر، لفت التقرير إلى تباين الآراء في السودان بشأن سد النهضة: فبينما يُسهم السد فعليًا في تنظيم الفيضانات الموسمية الشديدة لنهر النيل، وتعزيز تدفق المياه بشكل منتظم إلى البلاد، مما يُحسّن بشكل كبير من جودة الحياة والصناعة في السودان، أعربت الحكومة عن قلقها إزاء احتمال انهيار السد، الأمر الذي سيؤثر بشكل مباشر على السودان قبل أي دولة أخرى. 

 

إضافةً إلى ذلك، أعرب السودان عن مخاوفه بشأن سد الروصيرص على النيل الأزرق، حيث تتعرض بنيته التحتية لخطر التلف نتيجةً لهذا التدفق غير المنتظم للمياه. 

 

وعانى السودان أيضًا من الفيضانات نتيجة ارتفاع منسوب مياه النيل الأزرق، وهو ما وثّقه المواطنون على مواقع التواصل الاجتماعي من خلال الصور ومقاطع الفيديو، مما ألحق أضرارًا جسيمة بالمنازل والبنية التحتية ونزوح عائلات.  

 

ضخامة سد النهضة 

 

وعلى الرغم من بناء سدود على نهر النيل سابقًا (مثل السد العالي في أسوان بمصر، بقدرة 2100 ميجاواط)، إلا أن سد النهضة الإثيوبي لا يُضاهي ضخامة حجمه، كما يقول التقرير. 

 

وأشارت السودان ومصر إلى المخاطر، لكن الصحيفة رأت أن ضخامة السد تُتيح فرصًا للنمو الاقتصادي بقدر ما تُتيح فرصًا للكوارث. ونتيجةً لذلك، لم تكن مطالب الحكومتين هدم السد، بل توجيه أرباحه نحو المنطقة بأسرها. كما طلبتا من إثيوبيا تشغيل السد بشكل جماعي مع دول أخرى في المنطقة. 

 

وصرح المتحدث باسم وزارة الخارجية السودانية، منصور بولد في هذا الإطار، قائلاً: "نشجع الدول الأفريقية على الضغط على أديس أبابا لإقناعها بوقف أي إجراءات أحادية الجانب تتعلق بالسد، تمهيدًا لإيجاد حل أفريقي لهذه المشكلة". ويعني "الحل الأفريقي" المقصود هنا أن تحل الدول القضايا فيما بينها، دون تدخل أطراف خارجية". 

 

وفقًا للصحبفة، فإنه من خلال تصريح بولد يتضح أن السودان لا يرغب إلا في المشاركة في إدارة السد، وليس التخلي عنه تمامًا. 

 

كانت مصر أكثر حدة في مواجهتها. فإلى جانب اتهامها إثيوبيا بالتصرف المتهور، زعمت أن تصرفاتها ترقى إلى انتهاك للقانون الدولي (وتحديدًا مبدأ الاستخدام العادل). وُضعت هذه المعايير القانونية لسد النهضة الإثيوبي عام 2015، بموجب إعلان المبادئ بين السودان ومصر وإثيوبيا، وهو الاتفاق الوحيد الذي أبرمته الدول في هذا الشأن. 

 

تتولى الآن قوى خارجية، وعلى رأسها الولايات المتحدة، إدارة هذا الوضع. وقد تلاشت آمال التوصل إلى "حل أفريقي" لتصبح مجرد حلم بعيد المنال، بعد أن أعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب عزمه على إعادة السلام إلى شمال شرق أفريقيا.

 

دعم أمريكي لمصر 

 

وتدعم الولايات المتحدة حاليًا مصر في النزاع. في يناير من هذا العام، أرسل ترامب رسالة إلى الرئيس المصري عبدالفتاح السيسي يدعوه فيها إلى استئناف جهود السلام التي بدأها الطرفان (والتي لم يكتملها) في عام 2019. 

 

وكانت مصر قد أعلنت في بيان لها، قبل رسالة ترامب بفترة طويلة، عن علاقاتها الإيجابية مع الولايات المتحدة، جاء فيه: "تؤكد مصر مجددًا دعمها لرؤية الرئيس ترامب الرامية إلى إرساء السلام والأمن والاستقرار العادلين لجميع دول المنطقة والعالم".

 

ولم يكن هذا الموقف الأمريكي مفاجئًا، فعندما تولى بايدن منصبه عام 2020، سعى أيضًا إلى معالجة قضية سد النهضة. وبدا النجاح وشيكًا في قمة قادة الولايات المتحدة وأفريقيا عام 2022، لكن الاتفاقية المقترحة انهارت بعد انسحاب مصر، على ما يبدو أملًا في الحصول على صفقة أكثر ربحية في حال عودة ترامب إلى الرئاسة. وعلقت الصحيفة: "من الواضح أن قرارهم كان صائبًا".

 

وأضافت: "بدأ البلدان معًا يشكلان تهديدات أكبر من أي وقت مضى لإثيوبيا، بما في ذلك استخدام القوة العسكرية لتدمير سد النهضة. وقد رحبت الحكومة السودانية مؤخرًا بالدعم الأمريكي، ويعود ذلك جزئيًا إلى حرصها على عدم توتر علاقاتها مع مصر:.  

 

حتى الآن، لا يطالب السودان ومصر إثيوبيا إلا بالموافقة النهائية على اتفاقية ملزمة قانونًا بشأن تشغيل السدود. في المقابل، تزداد الحكومة الإثيوبية عدائية، محبطةً من تحيز ترامب حين يدّعي أنه لا يريد سوى "السلام". 

 

احتمالية استهداف سد النهضة 

 

وأوضحت الصحيفة أنه "رغم ضآلة فرص السلام في المستقبل القريب، فمن غير المرجح أن يتصاعد الصراع أكثر من وضعه الراهن. فرغم قدرة سد النهضة على التأثير في كل من السودان ومصر، إلا أنه يقع داخل الأراضي الإثيوبية، ما يجعل استهدافه من الخارج صعبًا". 

 

وتابعت: "وحتى لو كانت دولة أخرى مستعدة لتحمل هذه المخاطرة، فإن أيًا من الدول الأفريقية المعنية لا تستطيع حاليًا تحمل حرب بهذا الحجم، بخاصة إذا ما دُمر السد (مما سيؤدي إلى فيضانات كارثية على طول نهر النيل). إضافةً إلى ذلك، لا أحد في هذه المنطقة يرغب في المخاطرة بإلحاق ضرر جسيم بنهر النيل، الذي لا يزال يمثل أثمن مواردها". 

 

وقالت الصحيفة "في زمنٍ يسوده الفوضى والاضطراب، تكمن الأهمية القصوى في ضمان عدم تصاعد الخلافات الدبلوماسية إلى عنف. يبدو أن الولايات المتحدة، رغم ادعائها أنها "صانعة سلام"، تُغذي طموحات مصر العدوانية، ولا تبذل جهدًا حقيقيًا للدفع نحو اتفاقيات مُفيدة للطرفين مع إثيوبيا". 

 

وشددت على أن "ما نحتاجه هو حوار أكثر مباشرة وتركيزًا بين قادة البلدين، يمنح مصر والسودان فرصًا كافية للتعبير عن مظالمهما وتقديم مقترحات للحلول. تبدأ مسيرة التقدم من خلال حوارات تتسم بالصبر والصدق والشمول. ستظل إثيوبيا في موقف دفاعي طالما استمرت الولايات المتحدة في تدخلها المتحيز، فهي تسعى إلى "حل أفريقي" حقيقي". 

 

وذكرت الصحيفة أن سد النهضة يتمتع بإمكانات هائلة لتعزيز النمو الاقتصادي في شمال شرق البلاد. وإذا لم تتمكن هذه الدول من إيجاد أرضية مشتركة فيما بينها، فإنها تخاطر بتفويت فرص مصيرية، ليس فقط على مستوى الاقتصاد ككل، بل على مستوى كل فرد من أفراد مجتمعاتها.

 

https://thesciencesurvey.com/news/2026/07/25/so-many-dam-problems-how-the-gerd-is-transforming-international-relationships-in-northeast-africa/